ابن قيم الجوزية

347

الروح

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ « 1 » ، وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم وآلهتهم مع اللّه ، كما يحبون اللّه فهذه محبة تأله ومولاه يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره اللّه ، ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم وبذلك أرسل اللّه جميع رسله وأنزل جميع كتبه وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعادهم فيه وفي مرضاته فكل من عبد شيئا من لدن عرضه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون اللّه إلها ووليا وأشرك به كائنا ذلك المعبود ما كان ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه . والنوع الثاني : محبة ما زينه اللّه للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث فيحبها محبة شهوة كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء فهذه المحبة ثلاثة أنواع فإن أحبها اللّه توصلا بها إليه واستعانه على مرضاته أثيب عليها وكانت من قسم الحب للّه توصلا بها إليه ويلتذ بالتمتع بها وهذا حال أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب وكانت محبته لهما عونا له على محبة اللّه وتبليغ رسالته « 2 » والقيام بأمره وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإراداته ولم يؤثرها على ما يحبه اللّه ويرضاه بل نالها بحكم الليل الطبيعي كانت من قسم المباحات ولم يعاقب على ذلك ولكن ينقص من كمال محبته للّه والمحبة فيه وإن كانت هي مقصوده ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها وقدمها على ما يحبه اللّه ويرضاه منه كان ظالما لنفسه متبعا لهواه . فالأول : محبة السابقين . والثانية : محبة المقتصدين . والثالثة : محبة الظالمين . فتأمل هذا الموضوع وما فيه من الجمع والفرق فإنه معترك النفس الأمّارة والمطمئنة . والمهدي من هداه اللّه . فصل [ الفرق بين التوكل والعجز ] والفرق بين التوكل والعجز : أن التوكل عمل القلب وعبوديته اعتمادا على

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 165 . ( 2 ) أخرجه النسائي والإمام أحمد .